عبد القاهر الجرجاني
14
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )
الرذيلة ، ليس بمجرّد اللفظ " 1 " . كيف ؟ والألفاظ لا تفيد حتى تؤلّف ضربا خاصّا من التأليف ، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب . فلو أنك عمدت إلى بيت شعر أو فصل نثر فعددت كلماته عدّا كيف جاء واتّفق ، وأبطلت نضده " 2 " ونظامه الذي عليه بني ، وفيه أفرغ المعنى وأجري ، وغيّرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد ، وبنسقه المخصوص أبان المراد ، نحو أن تقول في : [ من الطويل ] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " 3 " " منزل قفا ذكرى من نبك حبيب " ، أخرجته من كمال البيان ، إلى مجال الهذيان . نعم وأسقطت نسبته من صاحبه ، وقطعت الرّحم بينه وبين منشئه ، بل أحلت أن يكون له إضافة إلى قائل ، ونسب يختصّ بمتكلم . وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أنّ المعنى الذي له كانت هذه الكلم بيت شعر أو فصل خطاب ، هو ترتيبها على طريقة معلومة ، وحصولها على صورة من التأليف مخصوصة . وهذا الحكم - أعني الاختصاص في الترتيب - يقع في الألفاظ مرتّبا على المعاني المرتّبة في النفس ، المنتظمة فيها على قضيّة العقل " 4 " . ولا يتصوّر في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير ، وتخصّص في ترتيب وتنزيل ، وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركّبة ، وأقسام الكلام المدوّنة ، فقيل : من حق هذا أن يسبق ذلك ، ومن حقّ ما هاهنا أن يقع هنالك ، كما قيل في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل ، حتى حظر
--> ( 1 ) وفي نسخة : الألفاظ ، قلت : ولعله هو الأولى لاتفاقه مع ما بعده . ( 2 ) أي : نسقه ونظامه . ( 3 ) البيت لامرئ القيس من معلقته الشهيرة وهو في ديوانه : 110 ، وانظر شرحه في شرح المعلقات العشر للشنقيطي : 58 ، وشرح القصائد العشر للتبريزي : 20 ، وتمامه : بسقط اللّوى بين الدخول فحومل والبيت من مفتاح العلوم تحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، طبعة دار الكتب العلمية : 625 ، والأزهية : 244 ، وخزانة الأدب : 1 / 332 ، 3 / 224 ، والدرر : 6 / 71 ، ولسان العرب : 209 ( لوى ) ، والإيضاح : 369 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي . المعنى : قفا : يخاطب الشاعر نفسه أو صاحبه أو صاحبيه لأن العرب قد يخاطب الواحد منهم صاحبه مخاطبة الاثنين كما يخاطب الجماعة كذلك ، ذكرى حبيب ، ومنزل : تذكر الحبيب ومنزله الذي ألف النزول به . سقط اللوى : منقطع الرمل ، ويقال للوى وحده كذلك : منقطع الرمل ، والدخول وحومل : قيل : إنهما موضعان من شرق اليمامة . ( 4 ) كلام المصنف هنا على قضية النظم ، وقد فصل الكلام عليها ، وأشرنا إلى ذلك في كتابه الآخر دلائل الإعجاز فراجعه .